بعد صدور نتائج اختبارات الثانوية العامة؛ تعرض الطلبة الذين اجتازوا هذه الاختبارات بنجاح لسيل هادر من النصائح حول خياراتهم بشأن التخصصات الجامعية وارتباط ذلك بالمستقبل المهني، وفي معظمها قدمت ارشادات ضبابية حول ما يجب على الطالب ان يختاره ليضمن فرصة مهنية في المستقبل، في ظل شح فرص العمل والتغيرات الهائلة التي تجتاح سوق عمل مشوه؛ أنتجه أصلًا نموذجًا اقتصاديًا يحدد ملامحه الاحتلال وتهيمن عليه أنماط الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة.
هذه الإرشادات في معظمها تطالب الشباب بإجراء تحليل شامل لسوق العمل وفرصهم فيه، ثم اختيار تخصصاتهم الجامعية بناء على ذلك، وتغفل القصور الهائل للمؤسسات البحثية والتعليمية في القيام أصلًا بهذا التحليل، أو دور الجامعات ووزارة التعليم في إعادة تكييف الاختصاصات حسب احتياجات "سوق العمل"، وتنتظر أن يقوم الطالب بقراءة شاملة للمتغيرات الاقتصادية والسياسية، وأن ينهض منفردًا دون معلومات أو تدريب بمهمات أهملتها جهات ومؤسسات كبرى حكومية وغير حكومية، هذا كله أشبه بمزحة سمجة أكثر من كونه نصيحة حقيقية.
الأمر الآخر الذي يجب الوقوف عنده مطولًا في هذا الجانب، هو مفهوم "سوق العمل" بحد ذاته، فهذا المفهوم العدائي تجاه المجتمع والقوى العاملة؛ نتج أصلًا عن تجاهل احتياجات المجتمع، من حيث الوظائف والمهن المطلوبة، والتركيز على احتياجات السوق والربح والشركات والقطاعات، أي أنه ثمرة تخلي المؤسسات الرسمية والوزارات والمؤسسات الأهلية عن مفهوم المسؤولية العامة عن تلبية احتياجات المجتمع، فقد تتوافر وظائف في قطاع الخدمات التقنية، لكن هل يحتاج لها مجتمعنا؟ أم أنه يحتاج لزيادة عدد الأطباء والمدرسين والممرضين الذين يفتقر لهم مجتمعنا بالفعل؟
نعم، ليس هناك موازنات مخصصة لدى وزارة الصحة تكفي لتوظيف العدد الذي يحتاجه المجتمع من الممرضين والأطباء والفنيين، ولكن هذا لا يعني عدم حاجة مجتمعنا لهم، وبالتأكيد لدى بعض الشركات الاحتكارية الكبرى في القطاع الخاص موازنات كافية لتوظيف المئات في مجالات تحقق لهذه الشركات أرباحًا متزايدة فيما لا يحتاجها مجتمعنا؛ يحتاجها السوق بفعل قدرة هذه الشركات وغيرها على تشجيع الاستهلاك غير الضروري على حساب الاحتياجات الحقيقية.
في الجامعة وبجانب تلك الدروس والمحاضرات والمساقات التي سيتلقاها الطالب على مقعد الدارسة، هناك تجربة حياة جديدة بالنسبة للطالب؛ مليئة بالتفاعلات التي تتجاوز كل ما اعتاده، تسمح له ببناء تصورات أشمل حول الحياة وحول البلاد التي يعيش فيها، والتي تتجاوز مدرسة القرية أو أبناء الحي والمدينة والأقارب... سيعايش الطلبة التنوع الفلسطيني الجغرافي والديموغرافي والسياسي، ويتلمسوا عن قرب الفوارق الطبقية ودورها في صناعة مصائر الناس، وسيختبر كثير منهم الأفكار والقناعات، وعلاقته بوطنه وقضيته، وثمن هذه العلاقة والالتزام بالمواقف والحقوق والقضايا، فيما سيختبر آخرون الاستسلام لسياقات السلوك الانتهازي التي تهيمن على منظومة الفرص الاجتماعية والاقتصادية.
في الجامعة لا نحصل العلم أو نبني المهارات فقط، ولكن بالأساس نبني شخصياتنا التي سنعيش بها لسنوات لاحقة، وطرق تفكيرنا وأدوات الاختيار والمفاضلة لحظة اتخاذ القرارات الهامة أو شبه الهامة، وما لا يجب أن ننساه هو أننا أيضًا إلى حد كبير نختار لوننا السياسي والأيديولوجي في الجامعة، حتى أولئك الذين يختارون ألا يكترثوا بالسياسية والقضايا العامة فهم يمارسون خيارًا سياسيًا، خيار ألا يكترثوا، بل ويدفعون ثمن خيار عدم الاكتراث هذا، مثلما يدفع المسيس ثمن خياراته.
في فلسطين بالذات الخيارات ليست قضية أو سؤال فردي أبدًا، ولكنها سؤال عام، والتذاكي أو ادعاء الخبرة من مجتمع الراشدين الذي تجري ممارسته تجاه جموع الطلبة غير لائق إطلاقًا، فأصحاب الخبرة والمسؤولية في هذه البلاد لا تتوفر لديهم إجابات حقيقية حول أسئلة العمل والاقتصاد، فضلًا عن أسئلة السياسة، ومما اختبرته فلسطين في السنوات الأخيرة اتضح في معظم المحطات أن الشباب قد اثبتوا قدرة أكبر من تلك الأجيال التي سبقتهم على اشتقاق خيارات أنجح من تلك الأجيال التي سبقتهم، ليس فقط على مستوى العمل والمهنة والاختصاص، بل أيضًا وعلى مستوى المسؤوليات الوطنية والواجبات الاجتماعية.
إن جيل عدي التميمي وإبراهيم النابلسي هو من يصنع اليوم أفق لهذه البلاد ولشعبها، وما واجب "مجتمع الراشدين" إلا أن يتلمس هذا الدرب والأفق، ويدرك ضعف حيلته وسذاجة مقولاته وحجم اخفاقه، فهذا الأفق الذي يشتقه جيل جديد من شباب فلسطين يقوم أولًا على المسؤولية الجماعية، وليس على الخيارات الفردية الأنانية التي كادت أن تذهب بهذه البلاد وبحقوق أهلها، هذا جيل سيتحق الثقة والتقدير والاحترام أكثر مما يستحق هذا التعالي الساذج، هذا جيل يستعيد الأمل لذاته ولفلسطين وشعبها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق